السيد محمد الصدر
23
ما وراء الفقه
كان المدين يمارس فعلا ، يعني حال إقامة الدعوى حياة الفقر لا حياة الغنى فيكون طبقا للتعريف الثالث مدعيا لمخالفة الأصل ويكون منكرا طبقا للتعريف الخامس لموافقته للظاهر . حيث يظهر عليه الفقر وهو يدعيه أيضا ويكون غريمه مدعيا . إلا أن الصحيح هو بطلان للتعريف الخامس أساسا لأن الأعم الأغلب من حالات الظاهر يمكن أن تكون اختيارية . فحسب الفرد إذا أراد كسب نتيجة الدعوى لصالحه أن يجعل الظاهر بشكل معين باختياره ليتحول من مدع إلى منكر أو بالعكس ، فلا يطالبه القاضي بالبينة التي لا بد منها إن كان مدعيا بل يقتصر على اليمين . وإذا كان الأمر يعود إلى الاختيار ، ولو احتمالا كان البناء عليه فقهيا مخالفا لقواعد العدل العقلية فيكون باطلا . ولعل إيضاحا آخر عن ذلك سوف يأتي بعون اللَّه سبحانه . وأما الفرق بين التعريفين الرابع والخامس ، فيبدو أيضا في نفس المثال من حيث أن الأصل هو بقاؤه على الغنى ، كما أوضحنا فيكون قوله بادعاء الفقر مخالفا للأصل ، فيكون مدعيا ، على حين يكون قوله موافقا للظاهر ، لأنه يعيش حياة الفقراء كما سبق ، فيكون منكرا ، وصاحبه مدعيا . ولكننا بعد أن أسقطنا الوجه الخامس من الحجية ، بقيام الدليل على بطلانه ، لا يبقى لهذا الفرق من أهمية . وأما الوجهين أو التعريفين الثالث والرابع ، فهما متساوقان في الإثبات وليس بينهما خلاف أو فروق ، وما ادعاه عدد من الفقهاء من الفروق قابل للمناقشة بعوده إلى أحد أمور منها : أولا : إنه إدخال لأمر زائد على الدعوى في المسألة ، كما رأينا في المثال السابق . ثانيا : إنه من باب التداعي ، حيث يمكن أن يكون كلا المتخاصمين مدعيا ومنكرا في نفس الوقت في ضمن قضيتين متداخلتين ، ولعلنا نتعرض لذلك في المستقبل .